كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



فهنا يقرر أن الغيب من أمر الله، وأن علمهم عن الآخرة منته محدود:
{قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله وما يشعرون أيان يبعثون بل ادّارك علمهم في الآخرة بل هم في شك منها بل هم منها عمون}.
ولقد وقف الإنسان منذ بدء الخليقة أمام ستر الغيب المحجوب، لا ينفذ إليه علمه، ولا يعرف مما وراء الستر المسدل، إلا بقدر ما يكشف له منه علام الغيوب. وكان الخير في هذا الذي أراده الله، فلو علم الله أن في كشف هذا الستر المسبل خيرًا لكشفه للإنسان المتطلع الشديد إلى ما رواءه!
لقد منح الله هذا الإنسان من المواهب والاستعدادات والقوى والطاقات ما يحقق به الخلافة في الأرض، وما ينهض به بهذا التكليف الضخم، ولا زيادة، وانكشاف ستر الغيب له ليس مما يعينه في هذه المهمة. بل إن انطباق أهدابه دونه لما يثير تطلعه إلى المعرفة، فينقب ويبحث. وفي الطريق يخرج المخبوء في باطن الأرض، وجوف البحر، وأقطار الفضاء؛ ويهتدي إلى نواميس الكون والقوى الكامنة فيه، والأسرار المودعة في كيانه لخير البشر، ويحلل في مادة الأرض ويركب، ويعدل في تكوينها وأشكالها، ويبتدع في أنماط الحياة ونماذجها، حتى يؤدي دوره كاملًا في عمارة هذه الأرض، ويحقق وعد الله بخلافة هذا المخلوق الإنساني فيها.
وليس الإنسان وحده هو المحجوب عن غيب الله، ولكن كل من في السماوات والأرض من خلق الله. من ملائكة وجن وغيرهم ممن علمهم عند الله. فكلهم موكلون بأمور لا تستدعي انكشاف ستر الغيب لهم، فيبقي سره عند الله دون سواه.
{قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله}.
وهو نص قاطع لا تبقى بعده دعوى لمدع، ولا يبقى معه مجال للوهم والخرافة.
وبعد هذا التعميم في أمر الغيب يخصص في أمر الآخرة لأنها القضية التي عليها النزاع مع المشركين بعد قضية التوحيد:
{وما يشعرون أيان يبعثون}.
ينفي عنهم العلم بموعد البعث في أغمض صوره وهو الشعور. فهم لا يعلمون بهذا الموعد يقينا، ولا يشعرون به حين يقترب شعورًا. فذلك من الغيب الذي يقرر أن لا أحد يعلمه في السماوات ولا في الأرض، ثم يضرب عن هذا ليتحدث في موقفهم هم من الآخرة، ومدى علمهم بحقيقتها:
{بل ادارك علمهم في الآخرة}.
فانتهى إلى حدوده، وقصر عن الوصول إليها، ووقف دونها لا يبلغها.
{بل هم في شك منها}.
لا يستيقنون بمجيئها، بله أن يعرفوا موعدها، وينتظروا وقوعها.
{بل هم منها عمون}.
بل هم عنها في عمى، لا يبصرون من أمرها شيئًا، ولا يدركون من طبيعتها شيئًا، وهذه أشد بعدًا عن الثانية وعن الأولى:
{وقال الذين كفروا أإذا كنا ترابًا وآباؤنا أإنا لمخرجون}.
وهذه كانت العقدة التي يقف أمامها الذين كفروا دائمًا: أإذا فارقتنا الحياة، ورمت أجسادنا وتناثرت في القبور، وصارت ترابًا، أإذا وقع هذا كله وهو يقع للموتى بعد فترة من دفنهم إلا في حالات نادرة شاذة أإذا وقع هذا لنا ولآبائنا الذين ماتوا قبلنا يمكن أن نبعث أحياء كرة أخرى، وأن نخرج من الأرض التي اختلط رفاتنا بترابها فصار ترابًا؟
يقولون هذا وتقف هذه الصورة المادية بينهم وبين تصور الحياة الأخرى. وينسون أنهم خلقوا أول مرة ولم يكونوا من قبل شيئًا. ولا يدري أحد أين كانت الخلايا والذرات التي تكونت منها هياكلهم الأولى. فلقد كانت مفرقة في أطواء الأرض وأعماق البحار وأجواز الفضاء، فمنها ما جاء من تربة الأرض، ومنها ما جاء من عناصر الهواء والماء، ومنها ما قدم من الشمس البعيدة، ومنها ما تنفسه إنسان أو نبات أو حيوان، ومنها ما انبعث مس جسد رمّ وتبخرت بعض عناصره في الهواء!.. ثم تمثلت هذه الخلايا والذرات في طعام يأكلونه، وشراب يشربونه، وهواء يتنفسونه، وشعاع يستدفئون به، ثم إذا هذا الشتيت الذي لا يعلم عدده إلا الله، ولا يحصي مصادره إلا الله، يتجمع في هيكل إنسان؛ وهو ينمو من بويضة عالقة في رحم، حتى يصير جسدًا مسجى في كفن، فهؤلاء في خلقتهم أول مرة، فهل عجب أن يكونوا كذلك أو على نحو آخر في المرة الآخرة! ولكنهم كانوا هكذا يقولون. وبعضهم ما يزال يقوله اليوم مع شيء من الاختلاف!
هكذا كانوا يقولون. ثم يتبعون هذه القولة الجاهلة المطموسة بالتهكم والاستنكار:
{لقد وعدنا هذا نحن وآباؤنا من قبل إن هذا إلا أساطير الأولين}.
فهم كانوا يعرفون أن الرسل من قبل قد أنذروا آباءهم بالبعث والنشور. مما يدل على أن العرب لم تكن أذهانهم خالية من العقيدة، ولا غفلا من معانيها. إنما كانوا يرون أن الوعود لم تتحقق منذ بعيد؛ فيبنون على هذا استهتارهم بالوعد الجديد قائلين: إنها أساطير الأولين يرويها محمد صلى الله عليه وسلم غافلين أن للساعة موعدها الذي لا يتقدم لاستعجال البشر ولا يتأخر لرجائهم، إنما يجيء في الوقت المعلوم لله، المجهول للعباد في السماوات والأرض سواء. ولقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبريل عليه السلام وهو يسأله عن الساعة: «ما المسئول عنها بأعلم من السائل».
وهنا يلمس قلوبهم بتوجيهها إلى مصارع الذين كذبوا قبلهم بالوعيد ويسميهم المجرمين: {قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المجرمين}.
وفي هذا التوجيه توسيع لآفاق تفكيرهم، فالجيل من البشر ليس مقطوعًا من شجرة البشرية؛ وهو محكوم بالسنن المتحكمة فيها؛ وما حدث للمجرمين من قبل يحدث للمجرمين من بعد؛ فإن السنن لا تحيد ولا تحابي.
والسير في الأرض يطلع النفوس على مثل وسير وأحوال فيها عبرة، وفيها تفتيح لنوافذ مضيئة. وفيها لمسات للقلوب قد توقظها وتحييها. والقرآن يوجه الناس إلى البحث عن السنن المطردة، وتدبر خطواتها وحلقاتها، ليعيشوا حياة متصلة الأوشاج متسعة الآفاق، غير متحجرة ولا مغلقة ولا ضيقة ولا منقطعة.
وبعد أن يوجههم هذا التوجيه يأمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن ينفض يديه من أمرهم، ويدعهم لمصيرهم، الذي وجههم إلى نظائره، وألا يضيق صدره بمكرهم، فإنهم لن يضروه شيئًا، وألا يحزن عليهم فقد أدى واجبه تجاههم وأبلغهم وبصرهم.
{ولا تحزن عليهم ولا تكن في ضيق مما يمكرون}.
وهذا النص يصور حساسية قلبه صلى الله عليه وسلم وحزنه على مصير قومه الذي يعلمه من مصائر المكذبين قبلهم، ويدل كذلك على شدة مكرهم به وبالدعوة وبالمسلمين حتى ليضيق صدره الرحب الكبير.
ثم يمضي في سرد مقولاتهم عن قضية البعث، واستهانتهم بالوعيد بالعذاب في الدنيا أو في الآخرة:
{ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين}.
كانوا يقولون هذا كلما خوفوا بمصائر المجرمين قبلهم، ومصارعهم التي يمرون عليها مصبحين كقرى لوط، وآثار ثمود في الحجر، وآثار عاد في الأحقاف، ومساكن سبأ بعد سيل العرم، كانوا يقولون مستهزئين: {متى هذا الوعد إن كنتم صادقين} متى هذا العذاب الذي تخوفوننا به؟ إن كنتم صادقين فهاتوه، أو خبرونا بموعده على التحديد!
وهنا يجيء الرد يلقي ظلال الهول المتربص، وظلال التهكم المنذر في كلمات قصار:
{قل عسى أن يكون ردف لكم بعض الذي تستعجلون}.
بذلك يثير في قلوبهم الخوف والقلق من شبح العذاب. فقد يكون وراءهم رديفًا لهم كما يكون الرديف وراء الراكب فوق الدابة وهم لا يشعرون. وهم في غفلتهم يستعجلون به وهو خلف رديف! فيالها من مفاجأة ترتعش لها الأوصال. وهم يستهزئون ويستهترون!
ومن يدري. إن الغيب لمحجوب. وإن الستار لمسبل. فما يدري أحد ما وراءه. وقد يكون على قيد خطوات ما يذهل وما يهول! إنما العاقل من يحذر، ومن يتهيأ ويستعد في كل لحظة لما وراء الستر المسدول!.
{وإن ربك لذو فضل على الناس ولكن أكثرهم لا يشكرون}.
وإن فضله ليتجلى في إمهالهم وتأخير العذاب عنهم وهم مذنبون أو مقصرون، عسى أن يتوبوا إليه ويثوبوا إلى الطريق المستقيم. {ولكن أكثرهم لا يشكرون} على هذا الفضل، إنما يستهزئون ويستعجلون، أو يسدرون في غيهم ولا يتدبرون.
{وإن ربك ليعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون}.
وهم يمهلهم ويؤخر العذاب عنهم، مع علمه بما تكنه صدورهم وما تعلنه ألسنتهم وأفعالهم. فهو الإمهال عن علم، والإمهال عن فضل. وهم بعد ذلك محاسبون عما تكن صدورهم وما يعلنون.
ويختم هذه الجولة بتقرير علم الله الشامل الكامل، الذي لا تخفى عليه خافية في السماء ولا في الأرض:
{وما من غائبة في السماء والأرض إلا في كتاب مبين}.
ويجول الفكر والخيال في السماء والأرض، وراء كل غائبة. من شيء، ومن سر، ومن قوة، ومن خبر، وهي مقيدة بعلم الله، لا تند منها شاردة، ولا تغيب منها غائبة. والتركيز في السورة كلها على العلم. والإشارات إليه كثيرة، وهذه واحدة منها تختم بها هذه الجولة.
وبمناسبة الحديث عن علم الله المطلق يذكر ما ورد في القرآن من فصل الخطاب فيما اختلف عليه بنو إسرائيل، بوصفه طرفًا من علم الله المستيقن، ونموذجًا من فصل الله وقضائه بين المختلفين. ليكون هذا تعزية لرسوله صلى الله عليه وسلم وليدعهم لله يفصل بينه وبينهم بقضائه الأخير:
{إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون وإنه لهدى ورحمة للمؤمنين إن ربك يقضي بينهم بحكمه وهو العزيز العليم فتوكل على الله إنك على الحق المبين إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين وما أنت بهادي العمي عن ضلالتهم إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون}.
ولقد اختلف النصارى في المسيح عليه السلام وفي أمه مريم.
قالت جماعة: إن المسيح إنسان محض، وقالت جماعة: إن الأب والإبن وروح القدس إن هي إلا صور مختلفة أعلن الله بها نفسه للناس. فالله بزعمهم مركب من أقانيم ثلاثة، الأب والابن وروح القدس والإبن هو عيسى فانحدر الله الذي هو الأب في صورة روح القدس وتجسد في مريم إنسانًا وولد منها في صورة يسوع! وجماعة قالت: إن الابن ليس أزليًا كالأب بل هو مخلوق من قبل العالم، ولذلك هو دون الأب وخاضع له! وجماعة أنكروا كون روح القدس أقنوما! وقرر مجمع نيقية سنة 325 ميلادية، ومجمع القسطنطينية سنة 381 بأن الإبن وروح القدس مساويان للأب في وحدة اللاهوت، وأن الإبن قد ولد منذ الأزل من الأب وأن الروح القدس منبثق من الأب. وقرر مجمع طليطلة سنة 589 بأن روح القدس منبثق من الابن أيضًا. فاختلف الكنيسة الشرقية والكنيسة الغربية عند هذه النقطة وظلتا مختلفتين، فجاء القرآن الكريم يقول كلمة الفصل بين هؤلاء جميعًا. وقال عن المسيح: إنه كلمة الله ألقاها إلى مريم وروح منه وإنه بشر.. {إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلًا لبني إسرائيل} وكان هذا فصل الخطاب فيما كانوا فيه يختلفون.
واختلفوا في مسألة صلبه مثل هذا الاختلاف. منهم من قال: إنه صلب حتى مات ودفن ثم قام من قبره بعد ثلاثة أيام وارتفع إلى السماء. ومنهم من قال: إن يهوذا أحد حوارييه الذي خانه ودل عليه ألقي عليه شبه المسيح وصلب.
ومنهم من قال: ألقي شبهه على الحواري سيمون وأخذ به، وقص القرآن الكريم الخبر اليقين فقال: {وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم} وقال: {يا عيسى إني متوفيك ورافعك إليّ ومطهرك} وكانت كلمة الفصل في ذلك الخلاف.
ومن قبل حرف اليهود التوراة وعدلوا تشريعاتها الإلهية؛ فجاء القرآن الكريم يثبت الأصل الذي أنزله الله: {وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص} وحدثهم حديث الصدق عن تاريخهم وأنبيائهم، مجردًا من الأساطير الكثيرة التي اختلفت فيها رواياتهم، مطهرًا من الأقذار التي ألصقتها هذه الروايات بالأنبياء، والتي لم يكد نبي من أنبياء بني إسرائيل يخرج منها نظيفًا!.. إبراهيم بزعمهم قدم امرأته لأبيمالك ملك الفلسطينيين، وإلى فرعون ملك مصر باسم أنها أخته لعله ينال بسببها نعمة في أعينهما! ويعقوب الذي هو إسرائيل أخذ بركة جده إبراهيم من والده إسحاق بطريق السرقة والحيلة والكذب؛ وكانت بزعمهم هذه البركة لأخيه الأكبر عيصو! ولوط بزعمهم أسكرته بنتاه كل منهما ليلة ليضطجع معها لتنجب منه كي لا يذهب مال أبيها إذ لم يكن له وارث ذكر. وكان ما أرادتا! وداود رأى من سطوح قصره امرأة جميلة عرف أنها زوجة أحد جنده، فأرسل هذا الجندي إلى المهالك ليفوز بزعمهم بامرأته! وسليمان مال إلى عبادة بغل بزعمهم. مجاراة لإحدى نسائه التي كان يعشقها ولا يملك معارضتها!